سيادة القانون أم ارهاب السلطة ؟/ د.محمد ولد جبريل

خميس, 01/10/2020 - 15:16

لمّا كان الشعب هو مصدر كل سلطة، بنص دستور الجمهورية، فإنه من البديهي أن كافة السلطات إنما أسست وانفق عليها من أجل خدمة ورعاية وحماية هذا الشعب. ومن هنا فإنه أصبح من الضروري اعادة طرح جملة من التساؤلات المشروعة حول بعض التقاليد السائدة في مجتمعنا والمتعارضة مع هذا المبدأ الدستوري. فكثيرا ما يسر اليك شخص بحقيقة إلَا انه يصارحك بعدم قدرته على التعبير عنها خوفا من ملاحقة السلطة له والإضرار بمصالحه المشروعة. او كأن يأتيك آخر، قد قطع الشك باليقين، ينصحك بعدم اتخاذ موقف او الخوض في موضوع معين بحجة أن 'الحكومة لا تُعارضُ'. فهل فعلا تشكل السلطة في العقل الموريتاني مصدر خوف؟ وماهي المبررات التي تجعلنا نتوجس كل هذا الخوف ممن فوضهم الشعب لخدمته ولحمايته؟ هل هناك ما يجب أن يخضع له المواطن في الدستور الموريتاني غير القانون؟ هل للقانون سيادة في ظل خوف من لم يرتكب فعلا مجرم قانونا من السلطة؟ وهل يمكن أن نتطلع إلى تجسيد روح الدستور ومعانيه في ظل هذه الظاهرة ؟ لا يتسع المقام هنا لدراسة الأسباب التاريخية لهذه الظاهرة ولست من أهل التخصص لمحاولة الاجابة، إلا أن المنزلق الذي جرفتنا اليه المرجعية يستوجب منا ملاحظة أن دعاة المرجعية هم رعاة هذه الظاهرة وهم من يروج لها بل ويعملون سرا وعلنا على نشر الشائعات المخيفة واحياء الممارسات التابوهاتية والأقاويل الديماغوجية بغرض تكريس سلطة الفرد دون سيادة القانون ويمكن قراءة ذلك بجلاء في ما بين سطور بياناتهم الداخلية والدخيلة في عالم الحريات والانفتاح، الإجباري بقوة القانون. فمثلا، ليس كل من يكرر أن "الحكومة لا تعارض" مقتنع بذلك، بل انما يكررها بهدف تذويب وتدمير مبدأ المساواة امام القانون اوحق التعبير عن الرأي اوحق الانتماء السياسي أو أي حق يكفله القانون للمواطنين عند مطالبتهم به وبهدف إرهاب كل من تسول له نفسه مخالفة او معارضة المرجعية الرجعية. وفي المقابل لا يجد الرجعيون حرجا من إرشاد المواطنين الى المطالبة بتلك الحقوق عن طريق الوساطة و الطرق الملتوية وليس ذلك إلا تكريسا للطبقية ونوع جديد من العبودية لا يقل خطورة عن أنماط العبودية التقليدية التي نسعى إلى القضاء عليها. وهكذا يتم تكريس سلطة الفرد. وليست سلطة الفرد مطلبا عند الرجعيين منشودا بحد ذاته وإنما هو لخلق وضعية سياسية تمكنهم من التحكم غير المباشر بمقاليد السلطة وبالتالي إعادة تدويرهم من جديد في مختلف مفاصل الدولة. ان الرد الجاهز الذي سيتدفق عل شكل تعليقات من طرف أنصار الرجعية هو أن هذا التطلع غير مشروع بفعل أن حكم الفرد هو ماكان سائدا في الحقب الفارطة وان هذا هو ما 'وجدوا عليه آباءهم' وانه من غير المنصف العدول عنه، تماما كما كان الرجعيون عبر العصور يبررون مواقفهم المتحجرة في هذا العالم المتغير. والحقيقة أن التجاهل التام للمكتسبات الديمقراطية التي تحققت وللواقع الفعلي لمجتمعنا في بُعْديه الاجتماعي و الاقتصادي، لا يميز الرجعية المرجعية في بعثتها الجديدة فحسب، بل إنه هو السمة البارزة التي مافتئت تتجسد في 'القرارات والتوجيهات السامية' للسلطة الحالية. ولعل المضايقات التي تشهدها الحريات الفردية والجماعية وموجة التعيينات الأخيرة ومتابعة الرئيس السابق لمجرد إعلان نيته المشاركة في الحياة السياسية بحجة محاربة الفساد والعدد الكبير من صفقات التراضي التي تم إبرامها في أسوء استغلال للسلطات وللجائحة والتقارير الصحفية اليومية حول عمليات الفساد هي مقدمة إنجازات تعكس بجلاء قوة التدمير لصفقة التدوير وشرحا واضحا لمعنى سيادة القانون بالنسبة لهم.